فصل: تفسير الآيات رقم (40- 57)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


الجزء الرابع

سورة يس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏يس ‏(‏1‏)‏ وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏3‏)‏ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏4‏)‏ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ‏(‏5‏)‏ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ‏(‏6‏)‏ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏7‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ‏(‏8‏)‏ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏9‏)‏ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏10‏)‏ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏يس‏}‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه يا إنسان في لغة طيء، وعن ابن الحنفية يا محمد، وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ إن الله سماني في القرآن بسبعة أسماء‏:‏ محمد وأحمد وطه ويس والمزمل والمدثر وعبد الله ‏"‏ وقيل يا سيد‏.‏ ‏{‏يَاسِين‏}‏ بالإمالة‏:‏ علي وحمزة وخلف وحماد ويحيى ‏{‏والقرءان‏}‏ قسم ‏{‏الحكيم‏}‏ ذي الحكمة أو لأنه دليل ناطق بالحكمة أو لأنه كلام حكيم فوصف بصفة المتكلم به ‏{‏إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين‏}‏ جواب القسم وهو رد على الكفار حين قالوا‏:‏ ‏{‏لَسْتَ مُرْسَلاً‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 43‏]‏ ‏{‏على صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ خبر بعد خبر أوصلة ل ‏{‏المرسلين‏}‏ أي الذين أرسلوا على صراط مستقيم أي طريقة مستقيمة وهو الإسلام ‏{‏تَنزِيلَ‏}‏ بنصب اللام‏:‏ شامي وكوفي غير أبي بكر على «اقرأ تنزيل» أو على أنه مصدر أي نزل تنزيل، وغيرهم بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو تنزيل والمصدر بمعنى المفعول ‏{‏العزيز‏}‏ الغالب بفصاحة نظم كتابه أو هام ذوي العناد ‏{‏الرحيم‏}‏ الجاذب بلطافة معنى خطابه أفهام أولي الرشاد‏.‏ واللام في ‏{‏لِتُنذِرَ قَوْماً‏}‏ متصل بمعنى المرسلين أي أرسلت لتنذر قوماً ‏{‏مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ‏}‏ «ما» نافية عند الجمهور أي قوماً غير منذر آباؤهم على الوصف بدليل قوله ‏{‏لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 46‏]‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 44‏]‏‏.‏ أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني أي العذاب الذي أنذره آباؤهم كقوله ‏{‏إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 40‏]‏ أو مصدرية أي لتنذر قوماً إنذار آبائهم أي مثل إنذار آبائهم ‏{‏فَهُمْ غافلون‏}‏ إن جعلت «ما» نافية فهو متعلق بالنفي أي لم ينذروا فهم غافلون وإلا فهو متعلق بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين لّتُنذِرَ‏}‏‏.‏ كما تقول «أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل أو فهو غافل» ‏{‏لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ‏}‏ يعني قوله‏:‏ ‏{‏لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 13‏]‏ أي تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر‏.‏

ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله بقوله ‏{‏إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا فَهِىَ إِلَى الأذقان‏}‏ معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها ‏{‏فَهُم مُّقْمَحُونَ‏}‏ مرفوعة رءوسهم‏.‏ يقال‏:‏ قمح البعير فهو قامح إذا روي فرفع رأسه وهذا لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود خارجاً من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً ‏{‏وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً‏}‏ بفتح السين‏:‏ حمزة وعلي وحفص‏.‏

وقيل‏:‏ ما كان من عمل الناس فبالفتح، وما كان من خلق الله كالجبل ونحوه فبالضم ‏{‏فأغشيناهم‏}‏ فأغشينا أبصارهم أي غطيناها وجعلنا عليها غشاوة ‏{‏فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ‏}‏ الحق والرشاد‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر‏:‏ أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله بصره ‏{‏وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ أي سواء عليهم الإنذار وتركه، والمعنى من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار‏.‏ ورُوي أن عمر بن عبد العزيز قرأ الآية على غيلان القدري فقال‏:‏ كأني لم أقرأها أشهدك أني تائب عن قولي في القدر‏.‏ فقال عمر‏:‏ اللهم إن صدق فتب عليه وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه، فأخذه هشام بن عبد الملك من عنده فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق ‏{‏إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر‏}‏ أي إنما ينتفع بإنذارك من اتبع القرآن ‏{‏وَخشِىَ الرحمن بالغيب‏}‏ وخاف عقاب الله ولم يره ‏{‏فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ‏}‏ وهي العفو عن ذنوبه ‏{‏وَأَجْرٍ كَرِيمٍ‏}‏ أي الجنة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 27‏]‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ‏(‏12‏)‏ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ‏(‏13‏)‏ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ‏(‏14‏)‏ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ‏(‏15‏)‏ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ‏(‏16‏)‏ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏17‏)‏ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏18‏)‏ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ‏(‏19‏)‏ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ‏(‏20‏)‏ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏21‏)‏ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏22‏)‏ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ‏(‏23‏)‏ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏24‏)‏ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ‏(‏25‏)‏ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيىِ الموتى‏}‏ نبعثهم بعد مماتهم أو نخرجهم من الشرك إلى الإيمان ‏{‏وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ‏}‏ ما أسلفوا من الأعمال الصالحات وغيرها ‏{‏وَءَاثَارَهُمْ‏}‏ ما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علّموه أو كتاب صنّفوه أو حبيس حبّسوه أو رباط أو مسجد صنعوه أو سيء كوظيفة وظفها بعض الظلمة، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها ونحوه قوله تعالى ‏{‏يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 13‏]‏ قدم من أعماله وأخر من آثاره‏.‏ وقيل‏:‏ هي خطاهم إلى الجمعة أو إلى الجماعة ‏{‏وَكُلَّ شئ أحصيناه‏}‏ عددناه وبيناه ‏{‏فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ‏}‏ يعني اللوح المحفوظ لأنه أصل الكتب ومقتداها‏.‏ ‏{‏واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية‏}‏ ومثل لهم من قولهم «عندي من هذا الضرب كذا» أي من هذا المثال، وهذه الأشياء على ضرب واحد أي على مثال واحد، والمعنى واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية أي أنطاكية، أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، والمثل الثاني بيان للأول‏.‏ وانتصاب ‏{‏إِذْ‏}‏ بأنه بدل من ‏{‏أصحاب القرية‏}‏ ‏{‏جَآءَهَا المرسلون‏}‏ رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان ‏{‏إِذْ‏}‏ بدل من ‏{‏إِذْ‏}‏ الأولى ‏{‏أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ‏}‏ أي أرسل عيسى بأمرنا ‏{‏اثنين‏}‏ صادقاً وصدوقاً، فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار فسأل عن حالهما فقالا‏:‏ نحن رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال‏:‏ أمعكما آية‏؟‏ فقالا‏:‏ نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص، وكان له ابن مريض مدة سنتين فمسحاه فقام، فآمن حبيب وفشا الخبر فشفي على أيديهما خلق كثير، فدعاهما الملك وقال لهما‏:‏ ألنا إله سوى آلهتنا‏؟‏ قالا‏:‏ نعم من أوجدك وآلهتك‏.‏ فقال‏:‏ حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس وضربوهما‏.‏ وقيل‏:‏ حبسا ثم بعث عيسى شمعون فدخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم‏:‏ بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت قولهما‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فدعاهما فقال شمعون‏:‏ من أرسلكما‏؟‏ قالا‏:‏ الله الذي خلق كل شيء ورزق كل حي وليس له شريك‏.‏ فقال‏:‏ صفاه وأوجزا‏.‏ قالا‏:‏ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد‏.‏ قال‏:‏ وما آيتكما‏؟‏ قالا‏:‏ ما يتمنى الملك‏.‏ فدعا بغلام أكمه فدعوا الله فأبصر الغلام‏.‏ فقال له شمعون‏:‏ أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف‏؟‏ قال الملك‏:‏ ليس لي عنك سر إن إلهنا لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع‏.‏ ثم قال‏:‏ إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال‏:‏ إني أدخلت في سبعة أودية من النار لما مت عليه من الشرك وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا‏.‏

وقال‏:‏ فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة‏.‏ قال الملك‏:‏ ومن هم‏؟‏ قال‏:‏ شمعون وهذان، فتعجب الملك‏.‏ فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن وآمن قوم، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا‏.‏

‏{‏فَكَذَّبُوهُمَا‏}‏ فكذب أصحاب القرية الرسولين ‏{‏فَعَزَزْنَا‏}‏ فقويناهما، ‏{‏فَعَزَّزْنَا‏}‏ أبو بكر من عزّه يعزّه إذا غلبه أي فغلبنا وقهرنا ‏{‏بِثَالِثٍ‏}‏ وهو شمعون وترك ذكر المفعول به لأن المراد ذكر المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق وذل الباطل، وإذا كان الكلام منصباً إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض ‏{‏فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ‏}‏ أي قال الثلاثة لأهل القرية ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي أصحاب القرية ‏{‏مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا‏}‏ رفع ‏{‏بشر‏}‏ هنا ونصب في قوله ‏{‏مَا هذا بَشَرًا‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 31‏]‏ لانتقاض النفي ب «إلا» فلم يبق لما شبه بليس وهو الموجب لعمله ‏{‏وَمَا أَنَزلَ الرحمن مِن شَئ‏}‏ أي وحياً ‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ‏}‏ ما أنتم إلا كذبة‏.‏ ‏{‏قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ‏}‏ أكد الثاني باللام دون الأول لأن الأول ابتداء إخبار والثاني جواب عن إنكار فيحتاج إلى زيادة تأكيد‏.‏ و‏{‏رَبُّنَا يَعْلَمُ‏}‏ جارٍ مجرى القسم في التوحيد وكذلك قولهم «شهد الله» و«علم الله» ‏{‏وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ المبين‏}‏ أي التبليغ الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة بصحته ‏{‏قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ‏}‏ تشاءمنا بكم وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا وبركة ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ حبس عنهم المطر فقالوا ذلك ‏{‏لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ‏}‏ عن مقالتكم هذه ‏{‏لَنَرْجُمَنَّكُمْ‏}‏ لنقتلنكم أو لنطردنكم أو لنشتمنكم ‏{‏وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ وليصيبنكم عذاب النار وهو أشد عذاب ‏{‏قَالُواْ طائركم‏}‏ أي سبب شؤمكم ‏{‏مَّعَكُمْ‏}‏ وهو الكفر ‏{‏أئِن‏}‏ بهمزة الاستفهام وحرف الشرط‏:‏ كوفي وشامي ‏{‏ذُكِّرْتُم‏}‏ وعظتم ودعيتم إلى الإسلام، وجواب الشرط مضمر وتقديره «تطيرتم»، ‏{‏آين‏}‏ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة‏:‏ أبو عمرو، و‏{‏أَيْنَ‏}‏ بهمزة مقصورة بعدها ياء مسكورة‏:‏ مكي ونافع‏.‏ ‏{‏ذكرتم‏}‏ بالتخفيف‏:‏ يزيد ‏{‏بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ‏}‏ مجاوزون الحد في العصيان فمن ثم أتاكم الشؤم من قبلكم لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو بل أنتم مسرفون في ضلالكم وغيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله‏.‏

‏{‏وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى‏}‏ هو حبيب النجار وكان في غار من الجبل يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقال‏:‏ أتسألون على ما جئتم به أجراً‏؟‏ قالوا‏:‏ لا ‏{‏قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين اتبعوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً‏}‏ على تبليغ الرسالة ‏{‏وَهُمْ مُّهْتَدُونَ‏}‏ أي الرسل‏:‏ فقالوا‏:‏ أو أنت على دين هؤلاء‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى‏}‏ خلقني ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ وإليه مرجعكم، ‏{‏وَمَا لِى‏}‏ حمزة‏.‏

‏{‏ءَأَتَّخِذُ‏}‏ بهمزتين‏:‏ كوفي ‏{‏مِن دُونِهِ ءَالِهَةً‏}‏ يعني الأصنام ‏{‏إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ‏}‏ شرط جوابه ‏{‏لاَّ تُغْنِ عَنِّى شفاعتهم شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ‏}‏ من مكروه، ‏{‏ولا ينقذوني‏}‏ ‏{‏فاسمعوني‏}‏ في الحالين‏:‏ يعقوب ‏{‏إِنِّى إِذاً‏}‏ أي إذا اتخذت ‏{‏لَفِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ ظاهر بين‏.‏ ولما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل فقال لهم ‏{‏إِنِّى ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون‏}‏ أي اسمعوا إيماني لتشهدوا لي به‏.‏ ولما قتل ‏{‏قِيلَ‏}‏ له ‏{‏ادخل الجنة‏}‏ وقبره في سوق أنطاكية‏.‏ ولم يقل «قيل له» لأن الكلام سيق لبيان المقول لا لبيان المقول له مع كونه معلوماً، وفيه دلالة أن الجنة مخلوقة‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه وهو في الجنة ولا يموت إلا بفناء السماوات والأرض، فلما دخل الجنة ورأى نعيمها ‏{‏قَالَ ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى‏}‏ أي بمغفرة ربي لي أو بالذي غفر لي ‏{‏وَجَعَلَنِى مِنَ المكرمين‏}‏ بالجنة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 39‏]‏

‏{‏وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ‏(‏28‏)‏ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ‏(‏29‏)‏ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏30‏)‏ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ‏(‏31‏)‏ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ‏(‏32‏)‏ وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ‏(‏33‏)‏ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ‏(‏34‏)‏ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ‏(‏35‏)‏ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏36‏)‏ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ‏(‏37‏)‏ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏38‏)‏ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا أَنزَلْنَا‏}‏ «ما» نافيه ‏{‏على قَوْمِهِ‏}‏ قوم حبيب ‏{‏مِن بَعْدِهِ‏}‏ أي من بعد قتله أو رفعه ‏{‏مِن جُندٍ مِّنَ السمآء‏}‏ لتعذيبهم ‏{‏وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ‏}‏ وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض لحكمة اقتضت ذلك ‏{‏إِن كَانَتْ‏}‏ الأخذة أو العقوبة ‏{‏إِلاَّ صَيْحَةً واحدة‏}‏ صاح جبريل عليه السلام صيحة واحدة ‏{‏فَإِذَا هُمْ خامدون‏}‏ ميتون كما تخمد النار‏.‏ والمعنى أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك ولم ينزل لإهلاكهم جنداً من جنود السماء كما فعل يوم بدر والخندق‏.‏

‏{‏ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ‏}‏ الحسرة شدة الندم وهذا نداء للحسرة عليهم كأنما قيل لها تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون، أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ‏}‏ ألم يعلموا ‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون‏}‏ «كم» نصب ب ‏{‏أَهْلَكْنَا‏}‏ و‏{‏يَرَوْاْ‏}‏ معلق عن العمل في «كم» لأن «كم» لا يعمل فيها عامل قبلها كانت للاستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام إلا أن معناه نافذ في الجملة‏.‏ وقوله ‏{‏أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ بدل من ‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا‏}‏ على المعنى لا على اللفظ تقديره‏:‏ ألم يروا كثرة إهلا كنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم ‏{‏وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ‏}‏ ‏{‏لَّمّاً‏}‏ بالتشديد‏:‏ شامي وعاصم وحمزة بمعنى إلا و«إن» نافية‏.‏ وغيرهم بالتخفيف على أن «ما» صلة للتأكيد و«إن» مخففة من الثقيلة وهي متلقاة باللام لا محالة‏.‏ والتنوين في ‏{‏كُلٌّ‏}‏ عوض من المضاف إليه، والمعنى إن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب أو معذبون‏.‏ وإنما أخبر عن ‏{‏كُلٌّ‏}‏ بجميع لأن «كلا» يفيد معنى الإحاطة والجميع فعيل بمعنى مفعول ومعناه الاجتماع يعني أن المحشر يجمعهم ‏{‏وَءَايَةٌ لَّهُمُ‏}‏ مبتدأ وخبر أي وعلامة تدل على أن الله يبعث الموتى إحياء الأرض الميتة، ويجوز أن يرتفع ‏{‏ءَايَة‏}‏ بالابتداء و‏{‏لَهُمْ‏}‏ صفتها، وخبرها ‏{‏الأرض الميتة‏}‏ اليابسة‏.‏ وبالتشديد‏:‏ مدني ‏{‏أحييناها‏}‏ بالمطر وهو استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية وكذلك ‏{‏نَسْلَخُ‏}‏ ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل لأنه أريد بهما جنسان مطلقان لا أرض وليل بأعيانهما فعوملا معاملة النكرات في وصفهما بالأفعال ونحوه‏:‏

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** ‏{‏وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً‏}‏ أريد به الجنس ‏{‏فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ‏}‏ قدم الظرف ليدل على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط ووقع الضر وإذا فقد حضر الهلاك ونزل البلاء ‏{‏وَجَعَلْنَا فِيهَا‏}‏ في الأرض ‏{‏جنات‏}‏ بساتين ‏{‏مِّن نَّخِيلٍ وأعناب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون‏}‏ «من» زائدة عند الأخفش وعند غيره المفعول محذوف تقديره ما ينتفعون به ‏{‏لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ‏}‏ والضمير لله تعالى أي ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر‏.‏

‏{‏مِن ثُمُره‏}‏ حمزة وعلي ‏{‏وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ‏}‏ أي ومما عملته أيديهم من الغرس والسقي والتلقيح وغير ذلك من الأعمال إلى أن يبلغ الثمر منتهاه، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه وفيه آثار من كد بني آدم وأصله من ثمرنا كما قال ‏{‏وَجَعَلْنَا‏}‏ ‏{‏وَفَجَّرْنَا‏}‏ فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريق الالتفات‏.‏ ويجوز أن يرجع الضمير إلى النخيل وتترك الأعناب غير مرجوع إليها لأنه علم أنها في حكم النخيل مما علق به من أكل ثمره، ويجوز أن يراد من ثمر المذكور وهو الجنات كما قال رؤبة‏.‏

فيها خطوط من بياض وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق

فقيل له فقال‏:‏ أردت كأن ذاك‏.‏ ‏{‏وما عملت‏}‏ كوفي غير حفص وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وفي مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير‏.‏ وقيل‏:‏ «ما» نافية على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه ‏{‏أَفَلاَ يَشْكُرُونَ‏}‏ استبطاء وحث على شكر النعمة‏.‏ ‏{‏سبحان الذى خَلَق الأزواج‏}‏ الأصناف ‏{‏كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض‏}‏ من النخيل والشجر والزرع والثمر ‏{‏وَمِنْ أَنفُسِهِمْ‏}‏ الأولاد ذكوراً وإناثاً ‏{‏وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إلى معرفتها، ففي الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس‏.‏

‏{‏وَءَايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار‏}‏ نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى معه شيء من ضوء النهار، أو ننزع عنه الضوء نزع القميص الأبيض فيعرى نفس الزمان كشخص زنجي أسود لأن أصل ما بين السماء والأرض من الهواء الظلمة فاكتسى بعضه ضوء الشمس كبيت مظلم أسرج فيه فإذا غاب السراج أظلم ‏{‏فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ‏}‏ داخلون في الظلام ‏{‏والشمس تَجْرِى‏}‏ وآية لهم الشمس تجري ‏{‏لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا‏}‏ لحد لها موقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرائي عيوننا وهو المغرب، أو لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا ‏{‏ذلك‏}‏ الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق ‏{‏تَقْدِيرُ العزيز‏}‏ الغالب بقدرته على كل مقدور ‏{‏العليم‏}‏ بكل معلوم ‏{‏والقمر‏}‏ نصب بفعل يفسره ‏{‏قدرناه‏}‏ وبالرفع مكي ونافع وأبو عمرو وسهل على الابتداء والخبر قدرناه أو على «وآية لهم القمر» ‏{‏مَنَازِلَ‏}‏ وهي ثمانية وعشرون منزلاً ينزل القمر كل ليلة وفي واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستوٍ يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر‏.‏

ولا بد في ‏{‏قدرناه مَنَازِلَ‏}‏ من تقدير مضاف لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل أي قدرنا نوره فيزيد وينقص، أو قدرنا مسيره منازل فيكون ظرفاً فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس ‏{‏حتى عَادَ كالعرجون‏}‏ هو عود الشمراخ إذا يبس واعوج ووزنه فعلون من الانعراج وهو الانعطاف ‏{‏القديم‏}‏ العتيق المحول وإذا قدم دق وانحنى واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 57‏]‏

‏{‏لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ‏(‏40‏)‏ وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ‏(‏41‏)‏ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ‏(‏42‏)‏ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ ‏(‏43‏)‏ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ‏(‏44‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏45‏)‏ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ‏(‏46‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏47‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏48‏)‏ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ‏(‏49‏)‏ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏50‏)‏ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ‏(‏51‏)‏ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ‏(‏52‏)‏ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ‏(‏53‏)‏ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏54‏)‏ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ‏(‏55‏)‏ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ‏(‏56‏)‏ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

‏{‏لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا‏}‏ أي لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم ‏{‏أَن تدْرِكَ القمر‏}‏ فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره لأن لكل واحد من النيرين سلطاناً على حياله، فسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل ‏{‏وَلاَ اليل سَابِقُ النهار‏}‏ ولا يسبق الليل النهار أي آية الليل آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن تقوم القيامة فيجمع الله بين الشمس والقمر وتطلع الشمس من مغربها ‏{‏وَكُلٌّ‏}‏ التنوين فيه عوض من المضاف إليه أي وكلهم والضمير للشموس والأقمار ‏{‏فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏}‏‏.‏ يسيرون

‏{‏وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ‏}‏ ‏{‏ذرياتهم‏}‏ مدني وشامي ‏{‏فِى الفلك المشحون‏}‏ أي المملوء‏.‏ والمراد بالذرية الأولاد ومن يهمهم حمله وكانوا يبعثونهم إلى التجارات في بر أو بحر، أو الآباء لأنها من الأضداد‏.‏ والفلك على هذا سفينة نوح عليه السلام‏.‏ وقيل‏:‏ معنى حمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم هم وذرياتهم‏.‏ وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم ‏{‏وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ‏}‏ من مثل الفلك ‏{‏مَا يَرْكَبُونَ‏}‏ من الإبل وهي سفائن البر ‏{‏وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ‏}‏ في البحر ‏{‏فَلا صَرِيْخَ لَهُمْ‏}‏ فلا مغيث أو فلا إغاثة ‏{‏وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ‏}‏ لا ينجون ‏{‏إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إلى حِينٍ‏}‏ أي ولا ينقذون إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة إلى انقضاء الأجل، فهما منصوبان على المفعول له‏.‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ‏}‏ أي ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر مما أنتم تعملون من بعد أو من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها، وما خلفكم من أمر الساعة أو فتنة الدنيا وعقوبة الآخرة ‏{‏لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏ لتكونوا على رجاء رحمة الله‏.‏ وجواب «إذا» مضمر أي أعرضوا، وجاز حذفه لأن قوله ‏{‏وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءايات رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ‏}‏ يدل عليه‏.‏ و«من» الأولى لتأكيد النفي والثانية للتبعيض أي ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة ‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ‏}‏ لمشركي مكة ‏{‏أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله‏}‏ أي تصدقوا على الفقراء ‏{‏قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ‏}‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كان بمكة زنادقة فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا‏:‏ لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن‏:‏ ‏{‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ قول الله لهم أو حكاية قول المؤمنين لهم أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين‏.‏

‏{‏وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد‏}‏ أي وعد البعث والقيامة ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ فيما تقولون خطاب للنبي وأصحابه ‏{‏مَا يَنظُرُونَ‏}‏ ينتظرون ‏{‏إِلاَّ صَيْحَةً واحدة‏}‏ هي النفخة الأولى ‏{‏تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ‏}‏ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصمه إذا غلبه في الخصومة، وشدد الباقون الصاد أي ‏{‏يَخِصّمُونَ‏}‏ بإدغام التاء في الصاد، لكنه مع فتح الخاء‏:‏ مكي بنقل حركة التاء المدغمة إليها، وبسكون الخاء‏:‏ مدني، وبكسر الياء والخاء‏:‏ يحيى فأتبع الياء الخاء في الكسر، وبفتح الياء وكسر الخاء‏:‏ غيرهم‏.‏

والمعنى تأخذهم وبعضهم يخصم بعضاً في معاملاتهم‏.‏

‏{‏فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً‏}‏ فلا يستطيعون أن يوصوا في شيء من أمورهم توصية ‏{‏وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم بل يموتون حيث يسمعون الصيحة ‏{‏وَنُفِخَ فىلصور‏}‏ هي النفخة الثانية والصور القرن أو جمع صورة ‏{‏فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث‏}‏ أي القبور ‏{‏إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ‏}‏ يعدون بكسر السين وضمها ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي الكفار ‏{‏ياويلنا مَن بَعَثَنَا‏}‏ من أنشرنا ‏{‏مِن مَّرْقَدِنَا‏}‏ أي مضجعنا، وقف لازم عن حفص وعن مجاهد للكفار مضجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا ‏{‏هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون‏}‏ كلام الملائكة أو المتقين أو الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو بعضهم بعضاً، أو «ما» مصدرية ومعناه هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسلمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، أو موصولة وتقديره هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون أي والذي صدق فيه المرسلون ‏{‏إِن كَانَتْ‏}‏ النفخة الأخيرة ‏{‏إِلاَّ صَيْحَةً واحدة فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ‏}‏ للحساب‏.‏ ثم ذكر ما يقال لهم في ذلك اليوم ‏{‏فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِى شُغُلٍ‏}‏ بضمتين‏:‏ كوفي وشامي، وبضمة وسكون‏:‏ مكي ونافع وأبو عمرو‏.‏ والمعنى في شغل في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وهو افتضاض الأبكار على شط الأنهار تحت الأشجار أو ضرب الأوتار أو ضيافة الجبار ‏{‏فاكهون‏}‏ خبر ثان ‏{‏فَكِهُونَ‏}‏ يزيد، والفاكه والفكه‏:‏ المتنعم المتلذذ ومنه الفاكهة لأنها مما يتلذذ به وكذا الفكاهة ‏{‏هُمْ‏}‏ مبتدأ ‏{‏وأزواجهم‏}‏ عطف عليه ‏{‏فِى ظلال‏}‏ حال جمع ظل وهو الموضع الذي لا تقع عليه الشمس كذئب وذئاب، أو جمع ظلة كبرمة وبرام دليله قراءة حمزة وعليّ، ‏{‏ظُلَلٌ‏}‏ جمع ظلة وهي ما سترك عن الشمس ‏{‏على الأرآئك‏}‏ جمع الأريكة وهي السرير في الحجلة أو الفراش فيها ‏{‏مُتَّكِئُونَ‏}‏ خبر أو ‏{‏فِى ظلال‏}‏ خبر و‏{‏على الأرائك‏}‏ مستأنف ‏{‏لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ‏}‏ يفتعلون من الدعاء أي كل ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم أو يتمنون من قولهم «ادع علي ما شئت» أي تمنه عليَّ، عن الفراء هو من الدعوى ولا يدعون ما لا يستحقون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 70‏]‏

‏{‏سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ‏(‏58‏)‏ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ‏(‏59‏)‏ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏60‏)‏ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏61‏)‏ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ‏(‏62‏)‏ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ‏(‏63‏)‏ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏64‏)‏ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏65‏)‏ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ‏(‏66‏)‏ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ ‏(‏67‏)‏ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ‏(‏68‏)‏ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ ‏(‏69‏)‏ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏سلام‏}‏ بدل من ‏{‏مَّا يَدَّعُونَ‏}‏ كأنه قال لهم سلام يقال لهم ‏{‏قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ‏}‏ والمعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة تعظيماً لهم وذلك متمناهم ولهم ذلك لا يمنعونه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ والملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين‏.‏ ‏{‏وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون‏}‏ وانفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة‏.‏ وعن الضحاك‏:‏ لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى أبداً ويقول لهم يوم القيامة ‏{‏أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابنى ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏ العهد الوصية وعهد إليه إذا وصاه وعهد الله إليهم ما ركزه فيهم من أدلة العقل وأنزل عليهم من دلائل السمع، وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم ‏{‏وَأَنِ اعبدونى‏}‏ وحدوني وأطيعوني ‏{‏هذا‏}‏ إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن ‏{‏صراط مُّسْتَقِيمٌ‏}‏ أي صراط بليغ في استقامته ولا صراط أقوم منه ‏{‏وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ‏}‏ بكسر الجيم والباء والتشديد‏:‏ مدني وعاصم وسهل ‏{‏جبلاً‏}‏ بضم الجيم والباء والتشديد‏:‏ يعقوب ‏{‏جُبْلاًّ‏}‏ مخففاً‏:‏ شامي وأبو عمرو‏.‏ و‏{‏جُبُلاًّ‏}‏ بضم الجيم والباء وتخفيف اللام‏:‏ غيرهم، وهذه لغات في معنى الخلق ‏{‏كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ‏}‏ استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل ‏{‏هذه جَهَنَّمُ التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ‏}‏ بها ‏{‏اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ‏}‏ ادخلوها بكفركم وإنكاركم لها‏.‏

‏{‏اليوم نَخْتِمُ على أفواههم‏}‏ أي نمنعهم من الكلام ‏{‏وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏}‏ يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم فيحلفون ما كانوا مشركين، فحيئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم، وفي الحديث «يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز عليّ إلا شاهداً من نفسي فيختم على فيه ويقال لأركانه‏:‏ أنطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول‏:‏ بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل» ‏{‏وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ‏}‏ لأعميناهم وأذهبنا أبصارهم‏.‏ والطمس تعفيه شق العين حتى تعود ممسوحة ‏{‏فاستبقوا الصراط‏}‏ على حذف الجار وإيصال الفعل والأصل فاستبقوا إلى الصراط ‏{‏فأنى يُبْصِرُونَ‏}‏ فكيف يبصرون حينئذ وقد طمسنا أعينهم ‏{‏وَلَوْ نَشَآءُ لمسخناهم‏}‏ قردة أو خنازير أو حجارة ‏{‏على مكانتهم‏}‏ ‏{‏على مكاناتهم‏}‏ أبو بكر وحماد‏.‏ والمكانة والمكان واحد كالمقامة والمقام أي لمسخناهم في منازلهم حيث يجترحون المآثم ‏{‏فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ‏}‏ فلم يقدروا على ذهاب ولا مجيء أو مضياً أمامهم ولا يرجعون خلفهم‏.‏

‏{‏وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ‏}‏ عاصم وحمزة، والتنكيس‏:‏ جعل الشيء أعلاه أسفله، الباقون ‏{‏نَنْكُسه‏}‏ ‏{‏فِى الخلق‏}‏ أي نقلبه فيه بمعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة ضعفاً وبدل الشباب هرماً، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده وخلو من عقل وعلم ثم جعلناه يتزايد إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقض حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله قال عز وجل‏:‏

‏{‏وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 5‏]‏ ‏{‏أَفَلاَ يَعْقِلُونَ‏}‏ أن من قدر على أن ينقلهم من الشباب إلى الهرم ومن القوة إلى الضعف ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز، قادر على أن يطمس على أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويبعثهم بعد الموت‏.‏ وبالتاء‏:‏ مدني ويعقوب وسهل‏.‏

وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر فنزل ‏{‏وَمَا علمناه الشعر‏}‏ أي وما علمنا النبي عليه السلام قول الشعراء أو وما علمناه بتعليم القرآن الشعر على معنى أن القرآن ليس بشعر فهو كلام موزون مقفى يدل على معنى، فأين الوزن وأين التقفية‏؟‏‏.‏ فلا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققته ‏{‏وَمَا يَنبَغِى لَهُ‏}‏ وما يصح له ولا يليق بحاله ولا يتطلب لو طلبه أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل كما جعلناه أمياً لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض وأما قوله‏:‏

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب

وقوله‏:‏

هل أنت إلا أصبع دميت *** وفي سبيل الله ما لقيت

فما هو إلا من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة فيه ولا تكلف إلا أنه اتفق من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه أن جاء موزوناً كما يتفق في خطب الناس ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة، ولا يسميها أحد شعراً لأن صاحبه لم يقصد الوزن ولا بد منه، على أنه عليه السلام قال «لقيت» بالسكون، وفتح الباء في «كذب» وخفض الباء في «المطلب» ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال ‏{‏إِنْ هُوَ‏}‏ أي المعلم ‏{‏إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِيْنٌ‏}‏ أي ما هو إلا ذكر من الله يوعظ به الإنس والجن، وما هو إلا قرآن كتاب سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين ‏{‏لِّيُنذِرَ‏}‏ القرآن أو الرسول ‏{‏لّتُنذِرَ‏}‏ مدني وشامي وسهل ويعقوب ‏{‏مَن كَانَ حَيّاً‏}‏ عاقلاً متأملاً لأن الغافل كالميت أو حياً بالقلب، ‏{‏وَيَحِقَّ القول‏}‏ وتجب كلمة العذاب ‏{‏عَلَى الكافرين‏}‏ الذين لا يتأملون وهم في حكم الأموات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 83‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ‏(‏71‏)‏ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ‏(‏72‏)‏ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ‏(‏73‏)‏ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏74‏)‏ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ‏(‏75‏)‏ فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ‏(‏76‏)‏ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ‏(‏77‏)‏ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ‏(‏78‏)‏ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ‏(‏79‏)‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ‏(‏80‏)‏ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ‏(‏81‏)‏ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏82‏)‏ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما‏}‏ أي مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا ‏{‏فَهُمْ لَهَا مالكون‏}‏ أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم فهم متصرفون فيها تصرف الملاك مختصون بالانتفاع بها أو فهم لها ضابطون قاهرون ‏{‏وذللناها لَهُمْ‏}‏ وصيرناها منقادة لهم وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله تعالى وتسخيره لها، ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله ‏{‏سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 13‏]‏ ‏{‏فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ‏}‏ وهو ما يركب ‏{‏وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ‏}‏ أي سخرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها ‏{‏وَلَهُمْ فِيهَا منافع‏}‏ من الجلود والأوبار وغير ذلك ‏{‏ومشارب‏}‏ من اللبن وهو جمع مشرب وهو موضع الشرب أو الشراب ‏{‏أَفَلاَ يَشْكُرُونَ‏}‏ الله على إنعام الأنعام ‏{‏واتخذوا مِن دُونِ الله ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ أي لعل أصنامهم تنصرهم إذا حزبهم أمر ‏{‏لاَ يَسْتَطِيعُونَ‏}‏ أي آلهتهم ‏{‏نَصَرَهُمْ‏}‏ نصر عابديهم ‏{‏وَهُمْ لَهُمْ‏}‏ أي الكفار للأصنام ‏{‏جُندٌ‏}‏ أعوان وشيعة ‏{‏مُحْضَرُونَ‏}‏ يخدمونهم ويذبون عنهم، أو اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم والأمر على خلاف ما توهموا حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقود النار ‏{‏فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ‏}‏ وبضم الياء وكسر الزاي‏:‏ نافع من حزنه وأحزنه يعني فلا يهمك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم‏.‏

‏{‏إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ‏}‏ من عداوتهم ‏{‏وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏ وإنا مجازوهم عليه فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن‏.‏ ومن زعم أن من قرأ ‏{‏إِنا نعلم‏}‏ بالفتح فسدت صلاته وإن اعتقد معناه كفر فقد أخطأ، لأنه يمكن حمله على حذف لام التعليل وهو كثير في القرآن والشعر وفي كل كلام، وعليه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أن الحمد والنعمة لك ‏"‏ كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي رحمة الله عليهما، وكلاهما تعليل‏.‏ فإن قلت‏:‏ إن كان المفتوح بدلاً من ‏{‏قَوْلُهُمْ‏}‏ كأنه قيل‏:‏ فلا يحزنك أنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ففساده ظاهر‏.‏ قلت‏:‏ هذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالماً وعدم تعلقه لا يدوران على كسر «إن» وفتحها، وإنما يدوران على تقديرك فتفصل إن فتحت ب «أن» تقدر معنى التعليل ولا تقدر معنى البدل كما أنك تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدر معنى المفعولية‏.‏ ثم إن قدرته كاسراً أو فاتحاً على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل فما فيه إلا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن على علمه تعالى بسرهم وعلانيتهم، والنهي عن حزنه ليس إثباتاً لحزنه بذلك كما في قوله‏:‏

‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 86‏]‏ ‏{‏وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 14‏]‏ ‏{‏وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 88‏]‏‏.‏ ونزل في أبي بن خلف حين أخذ عظماً بالياً وجعل يفته بيده ويقول‏:‏ يا محمد أترى الله يحيي هذا بعدما رم‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ «نعم ويبعثك ويدخلك جهنم» ‏"‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ‏}‏ مذرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة ‏{‏فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ‏}‏ بين الخصومة أي فهو على مهانة أصله ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به وهو كونه منشأ من موات وهو ينكر إنشاءه من موات وهو غاية المكابرة ‏{‏وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً‏}‏ بفته العظم ‏{‏وَنَسِىَ خَلْقَهُ‏}‏ من المني فهو أغرب من إحياء العظم، المصدر مضاف إلى المفعول أي خلقنا إياه ‏{‏قَالَ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ‏}‏ هو اسم لما بلي من العظام غير صفة كالرمة والرفات ولهذا لم يؤنث، وقد وقع خبراً لمؤنث ومن يثبت الحياة في العظام ويقول إن عظام الميتة نجسة لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها يتشبث بهذه الآية وهي عندنا طاهرة، وكذا الشعر والعصب لأن الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت‏.‏ والمراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس ‏{‏قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا‏}‏ خلقها ‏{‏أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ أي ابتداء ‏{‏وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ‏}‏ مخلوق ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ لا تخفى عليه أجزاؤه وإن تفرقت في البر والبحر فيجمعه ويعيده كما كان ‏{‏الذى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ‏}‏ تقدحون‏.‏ ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم «في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار» لأن المرخ شجر سريع الوري، والعفار شجر تقدح منه النار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب لمصلحة الدق للثياب، فمن قدر على جمع الماء والنار في الشجر قدر على المعاقبة بين الموت والحياة في البشر، وإجراء أحد الضدين على الآخر بالعقيب أسهل في العقل من الجمع معاً بلا ترتيب‏.‏

والأخضر على اللفظ وقريء الخضراء على المعنى‏.‏

ثم بين أن من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسيّ أقدر بقوله ‏{‏أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السماوات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم‏}‏ في الصغر بالإضافة إلى السماوات والأرض أو أن يعيدهم لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به ‏{‏بلى‏}‏ أي قل بلى هو قادر على ذلك ‏{‏وَهُوَ الخلاق‏}‏ الكثير المخلوقات ‏{‏العليم‏}‏ الكثير المعلومات ‏{‏إِنَّمَا أَمْرُهُ‏}‏ شأنه ‏{‏إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن‏}‏ أن يكونه ‏{‏فَيَكُونُ‏}‏ فيحدث أي فهو كائن موجود لا محالة‏.‏ فالحاصل أن المكونات بتخليقه وتكوينه ولكن عبر عن إيجاده بقوله ‏{‏كُن‏}‏ من غير أن كان منه كاف ونون وإنما هو بيان لسرعة الإيجاد كأنه يقول‏:‏ كما لا يثقل قول «كن» عليكم فكذا لا يثقل على الله ابتداء الخلق وإعادتهم، ‏{‏فيكون‏}‏ شامي وعلي عطف على ‏{‏يقول‏}‏، وأما الرفع فلأنها جملة من مبتدأ وخبر لأن تقديرها «فهو يكون» معطوفة على مثلها وهي «أمره أن يقول له كن» ‏{‏فسبحان‏}‏ تنزيه مما وصفه به المشركون وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا ‏{‏الذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَئ‏}‏ أي ملك كل شيء‏.‏ وزيادة الواو والتاء للمبالغة يعني هو مالك كل شيء ‏{‏وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ تعادون بعد الموت بلا فوت، ‏{‏تَرجعون‏}‏‏:‏ يعقوب‏.‏ قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏ إن لكل شيء قلباً وإن قلب القرآن يس ‏"‏ ‏"‏ من قرأ يس يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة ‏"‏ وقال عليه السلام ‏"‏ من قرأ يس أمام حاجته قضيت له ‏"‏ وقال عليه السلام ‏"‏ من قرأها إن كان جائعاً أشبعه الله، وإن كان ظمآن أرواه الله، وإن كان عرياناً ألبسه الله، وإن كان خائفاً أمنه الله، وإن كان مستوحشاً آنسه الله، وإن كان فقيراً أغناه الله، وإن كان في السجن أخرجه الله، وإن كان أسيراً خلصه الله، وإن كان ضالاً هداه الله، وإن كان مديوناً قضى الله دينه من خزائنه ‏"‏ وتدعى الدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة والله أعلم‏.‏

سورة الصافات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 28‏]‏

‏{‏وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ‏(‏1‏)‏ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ‏(‏2‏)‏ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ‏(‏3‏)‏ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ‏(‏4‏)‏ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ‏(‏5‏)‏ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ‏(‏6‏)‏ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ‏(‏7‏)‏ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ‏(‏8‏)‏ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ‏(‏9‏)‏ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ‏(‏10‏)‏ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ‏(‏11‏)‏ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ‏(‏12‏)‏ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ ‏(‏13‏)‏ وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ‏(‏14‏)‏ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ‏(‏16‏)‏ أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ‏(‏17‏)‏ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ‏(‏18‏)‏ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ‏(‏19‏)‏ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏20‏)‏ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏21‏)‏ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ‏(‏22‏)‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ‏(‏23‏)‏ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ‏(‏24‏)‏ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ‏(‏25‏)‏ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ‏(‏26‏)‏ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏27‏)‏ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏والصافات صَفَّا فالزجرات زَجْراً فالتاليات ذِكْراً‏}‏ أقسم سبحانه وتعالى بطوائف الملائكة، أو بنفوسهم الصافات أقدامها في الصلاة‏.‏ فالزاجرات الحساب سوقاً أو عن المعاصي بالإلهام، فالتاليات لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها وهو قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد؛ أو بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله والدارسات شرائعه‏.‏ أو بنفوس الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد وتتلو الذكر مع ذلك‏.‏ و‏{‏صَفَّا‏}‏ مصدر مؤكد وكذلك ‏{‏زَجْراً‏}‏ والفاء تدل على ترتيب الصفات في التفاضل فتفيد الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو على العكس‏.‏ وجواب القسم ‏{‏إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ‏}‏ قيل‏:‏ هو جواب قولهم ‏{‏أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 5‏]‏ ‏{‏رَبُّ السماوات والأرض‏}‏ خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هو رب ‏{‏وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المشارق‏}‏ أي مطالع الشمس وهي ثلثمائة وستون مشرقاً، وكذلك المغارب تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها وتغرب في مغرب منها ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين‏.‏ وأما ‏{‏رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 17‏]‏ فإنه أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، وأما ‏{‏رَّبُّ المشرق والمغرب‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 9‏]‏ فإنه أراد به الجهة فالمشرق جهه والمغرب جهة‏.‏

‏{‏إِنَّا زَيَّنَّا السمآءض الدنيا‏}‏ القربى منكم تأنيث الأدنى ‏{‏بِزِينَةٍ الكواكب‏}‏ حفص وحمزة على البدل من ‏{‏زينة‏}‏ والمعنى إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب، ‏{‏بِزِينَةٍ الكواكب‏}‏ أبو بكر على البدل من محل ‏{‏بزينة‏}‏ أو على إضمار أعني أو على إعمال المصدر منوناً في المفعول، ‏{‏بِزِينَة الكواكب‏}‏ غيرهم بإضافة المصدر إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وأصله بزينةٍ الكواكبُ أو على إضافته إلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها، لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها وأصله ‏{‏بِزِينَةٍ الكواكب‏}‏ لقراءة أبي بكر ‏{‏وَحِفْظاً‏}‏ محمول على المعنى لأن المعنى إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين كما قال ‏{‏وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 5‏]‏ أو الفعل المعلل مقدر كأنه قيل‏:‏ وحفظاً من كل شيطان قد زيناها بالكواكب، أو معناه حفظناها حفظاً ‏{‏مِّن كُلِّ شيطان مَّارِدٍ‏}‏ خارج من الطاعة‏.‏ والضمير في ‏{‏لاَ يَسَّمَّعُونَ‏}‏ لكل شيطان لأنه في معنى الشياطين، ‏{‏يَسَّمَّعون‏}‏ كوفي غير أبي بكر، وأصله «يتسمعون» والتسمع تطلب السماع يقال‏:‏ تسمع فسمع أو فلم يسمع‏.‏ وينبغي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ اقتصاصاً لما عليه حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة أو يتسمعوا‏.‏ وقيل‏:‏ أصله لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في «جئتك أن تكرمني» فبقي أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها كما في قوله‏:‏

> *** ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

وفيه تعسف يجب صون القرآن عن مثله، فإن كل واحد من الحذفين غير مردود على انفراده ولكن اجتماعهما منكر‏.‏ والفرق بين «سمعت فلاناً» يتحدث و«سمعت إليه يتحدث» و«سمعت حديثه» و«إلى حديثه»، أن المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعدى ب «إلى» يفيد الإصغاء مع الإدراك ‏{‏إلى الملإ الأعلى‏}‏ أي الملائكة لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض ‏{‏وَيُقْذَفُونَ‏}‏ يرمون بالشهب ‏{‏مِن كُلِّ جَانِبٍ‏}‏ من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للإستراق ‏{‏دُحُوراً‏}‏ مفعول له أي ويقذفون للدحور وهو الطرد، أو مدحورين على الحال، أو لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى فكأنه قيل‏:‏ يدحرون أو قذفاً ‏{‏وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ‏}‏ دائم من الوصوب أي أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب وقد أعد لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع‏.‏ و«من» في ‏{‏إِلاَّ مَنْ‏}‏ في محل الرفع بدل من الواو في ‏{‏لا يسمعون‏}‏ أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي ‏{‏خَطِفَ الخطفة‏}‏ أي سلب السلبة يعني أخذ شيئاً من كلامهم بسرعة ‏{‏فَأَتْبَعَهُ‏}‏ لحقه ‏{‏شِهَابٌ‏}‏ أي نجم رجم ‏{‏ثَاقِبٌ‏}‏ مضيء‏.‏ ‏{‏فاستفتهم‏}‏ فاستخبر كفار مكة ‏{‏أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً‏}‏ أي أقوى خلقاً من قولهم شديد الخلق وفي خلقه شدة، أو أصعب خلقاً وأشقه على معنى الرد لإنكارهم البعث، وأن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون ‏{‏أَم مَّنْ خَلَقْنَا‏}‏ يريد ما ذكر من خلائقه من الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما‏.‏ وجيء ب «من» تغليباً للعقلاء على غيرهم ويدل عليه قراءة من قرأ «أم من» عددنا بالتشديد والتخفيف‏.‏

‏{‏إِنَّا خلقناهم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ‏}‏ لاصق أو لازم وقرئ به، وهذا شهادة عليهم بالضعف لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا أئذا كنا تراباً‏؟‏ وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث ‏{‏بَلْ عَجِبْتَ‏}‏ من تكذيبهم إياك ‏{‏وَيَسْخُرُونَ‏}‏ هم منك ومن تعجبك، أو عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث، ‏{‏بَلْ عَجِبْتَ‏}‏ حمزة وعلي أي استعظمت، والعجب روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء فجرد لمعنى الاستعظام في حقه تعالى لأنه لا يجوز عليه الروعة، أو معناه قل يا محمد بل عجبتُ ‏{‏وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ‏}‏ ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به‏.‏

‏{‏وَإِذَا رَأَوْاْ ءَايَةً‏}‏ معجزة كانشقاق القمر ونحوه ‏{‏يَسْتَسْخِرُونَ‏}‏ يستدعي بعضهم بعضاً أن يسخر منها أو يبالغون في السخرية‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ إِن هذا‏}‏ ما هذا ‏{‏إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ ظاهر ‏{‏أَءِذَا‏}‏ استفهام إنكار ‏{‏مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ‏}‏ أي أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً ‏{‏أوَ آبَاؤُنَا‏}‏ معطوف على محل «ان» واسمها، أو على الضمير في ‏{‏مَّبْعُوثُونَ‏}‏ والمعنى أيبعث أيضاً آباؤنا على زيادة الاستبعاد يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد وأبطل‏.‏ ‏{‏أَو آباؤنا‏}‏ بسكون الواو‏:‏ مدني وشامي أي أيبعث واحد منا على المبالغة في الإنكار ‏{‏الأولون‏}‏ الأقدمون ‏{‏قُلْ نَعَمْ‏}‏ تبعثون ‏{‏نِعْم‏}‏ علي وهما لغتان ‏{‏وَأَنتُمْ داخرون‏}‏ صاغرون ‏{‏فَإِنَّمَا هِىَ‏}‏ جواب شرط مقدر تقديره إذا كان كذلك فما هي إلا ‏{‏زَجْرَةٌ واحدة‏}‏ و«هي» لا ترجع إلى شيء إنما هي مبهمة موضحها خبرها، ويجوز فإنما البعثة زجرة واحدة وهي النفخة الثانية‏.‏ والزجرة الصيحة من قولك زجر الراعي الإبل أو الغنم إذا صاح عليها ‏{‏فإذاهم‏}‏ أحياء بصراء ‏{‏هُمْ يَنَظُرُونَ‏}‏ إلى سوء أعمالهم أو ينتظرون ما يحل بهم ‏{‏وَقَالُواْ ياويلنا‏}‏ الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة ‏{‏هذا يَوْمُ الدين‏}‏ أي اليوم الذي ندان فيه أي نجازي بأعمالنا ‏{‏هذا يَوْمُ الفصل‏}‏ يوم القضاء والفرق بين فرق الهدى والضلال ‏{‏الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ‏}‏ ثم يحتمل أن يكون ‏{‏هذا يَوْمُ الدين‏}‏ إلى قوله ‏{‏احشروا‏}‏ من كلام الكفرة بعضهم مع بعض، وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون ‏{‏ياويلنا هذا يَوْمُ الدين‏}‏ من كلام الكفرة و‏{‏هذا يَوْمُ الفصل‏}‏ من كلام الملائكة جواباً لهم‏.‏

‏{‏احشروا‏}‏ خطاب الله للملائكة ‏{‏الذين ظَلَمُواْ‏}‏ كفروا ‏{‏وأزواجهم‏}‏ أي وأشباههم وقرناءهم من الشياطين أو نساءهم الكافرات، والواو بمعنى «مع» وقيل‏:‏ للعطف‏.‏ وقرئ بالرفع عطفاً على الضمير في ‏{‏ظَلَمُواْ‏}‏ ‏{‏وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله‏}‏ أي الأصنام ‏{‏فاهدوهم‏}‏ دلوهم، عن الأصمعي‏:‏ هديته في الدين هدىً وفي الطريق هداية ‏{‏إلى صراط الجحيم‏}‏ طريق النار ‏{‏وَقِفُوهُمْ‏}‏ احبسوهم ‏{‏إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ‏}‏ عن أقوالهم وأفعالهم ‏{‏مَا لَكُمْ لاَ تناصرون‏}‏ أي لا ينصر بعضكم بعضاً، وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعدما كانوا متناصرين في الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ هو جواب لأبي جهل حيث قال يوم بدر نحن جميع منتصر، وهو في موضع النصب على الحال أي ما لكم غير متناصرين ‏{‏بَلْ هُمْ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ‏}‏ منقادون أو قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله عن عجر وكلهم مستسلم غير منتصر‏.‏ ‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ‏}‏ أي التابع على المتبوع ‏{‏يَتَسَآءَلُونَ‏}‏ يتخاصمون ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي الأتباع للمتبوعين ‏{‏إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين‏}‏ عن القوة والقهر إذ اليمين موصوفة بالقوة وبها يقع البطش أي أنكم كنتم تحمولننا على الضلال وتقسروننا عليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 46‏]‏

‏{‏قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏29‏)‏ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ‏(‏30‏)‏ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ‏(‏31‏)‏ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ‏(‏32‏)‏ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ‏(‏33‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ‏(‏34‏)‏ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏35‏)‏ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ‏(‏36‏)‏ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏37‏)‏ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ‏(‏38‏)‏ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏39‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏40‏)‏ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ‏(‏41‏)‏ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ‏(‏42‏)‏ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏43‏)‏ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ‏(‏44‏)‏ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ‏(‏45‏)‏ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏قالوآ‏}‏ أي الرؤساء ‏{‏بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ‏}‏ أي بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر غير ملجئين ‏{‏وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سلطان‏}‏ تسلط نسلبكم به تمكنكم واختياركم ‏{‏بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طاغين‏}‏ بل كنتم قوماً مختارين الطغيان ‏{‏فَحَقَّ عَلَيْنَا‏}‏ فلزمنا جميعاً ‏{‏قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ‏}‏ يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا، ولو حكى الوعيد كما هو لقال إنكم لذائقون ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ونحوه قوله

‏:‏ فقد زعمت هوازن قل ما لي *** ولو حكى قولها لقال «قل مالك» ‏{‏فأغويناكم‏}‏ فدعوناكم إلى الغي ‏{‏إِنَّا كُنَّا غاوين‏}‏ فأردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا ‏{‏فَإِنَّهُمْ‏}‏ فإن الأتباع والمتبوعين جميعاً ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ يوم القيامة ‏{‏فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ‏}‏ كما كانوا مشتركين في الغواية ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين‏}‏ أي بالمشركين إنا مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ إنهم كانوا إذا سمعوا بكلمة التوحيد استكبروا وأبو إلا الشرك ‏{‏وَيَقُولُونَ ائِنَّا‏}‏ بهمزتين‏:‏ شامي وكوفي ‏{‏ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ بَلْ‏}‏ يعنون محمداً عليه السلام ‏{‏بَلْ جَاء بالحق‏}‏ رد على المشركين ‏{‏وَصَدَّقَ المرسلين‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 97‏]‏‏.‏

‏{‏إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا العذاب الأليم وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ بلا زيادة ‏{‏إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين‏}‏ بفتح اللام‏:‏ كوفي ومدني، وكذا ما بعده أي لكن عباد الله على الاستثناء المنقطع ‏{‏أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ فواكه‏}‏ فسر الرزق المعلوم بالفواكه وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة يعني أن رزقهم كله فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسادهم محكمة مخلوقة للأبد فما يأكلونه للتلذذ، ويجوز أن يراد رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر‏.‏ وقيل‏:‏ معلوم الوقت كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 62‏]‏ والنفس إليه أسكن ‏{‏وَهُم مُّكْرَمُونَ‏}‏ منعمون ‏{‏فِي جنات النعيم‏}‏ يجوز أن يكون ظرفاً وأن يكون حالاً وأن يكون خبراً بعد خبر، وكذا ‏{‏على سُرُرٍ متقابلين‏}‏ التقابل أتم للسرور وآنس ‏{‏يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ‏}‏ بغير همز‏:‏ أبو عمرو وحمزة في الوقف، وغيرهما بالهمزة‏.‏ يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأساً‏.‏ وعن الأخفش‏:‏ كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏مِّن مَّعِينٍ‏}‏ من شراب معين أو من نهر معين وهو الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون، وصف بما وصف به الماء لأنه يجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنهار مّنْ خَمْرٍ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 15‏]‏ ‏{‏بَيْضَآءَ‏}‏ صفة للكأس ‏{‏لَذَّةٍ‏}‏ وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها أو ذات لذة ‏{‏لِلشَّارِبِينَ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 82‏]‏

‏{‏لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ‏(‏47‏)‏ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ‏(‏48‏)‏ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ‏(‏49‏)‏ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏50‏)‏ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ‏(‏51‏)‏ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ‏(‏52‏)‏ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ‏(‏53‏)‏ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ‏(‏54‏)‏ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ‏(‏55‏)‏ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ‏(‏56‏)‏ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ‏(‏57‏)‏ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ‏(‏58‏)‏ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ‏(‏59‏)‏ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏60‏)‏ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ‏(‏61‏)‏ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ‏(‏62‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ‏(‏63‏)‏ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ‏(‏64‏)‏ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ‏(‏65‏)‏ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ‏(‏66‏)‏ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ‏(‏67‏)‏ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ‏(‏68‏)‏ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ‏(‏69‏)‏ فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ‏(‏70‏)‏ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏71‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ‏(‏72‏)‏ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏73‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏74‏)‏ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ‏(‏75‏)‏ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏76‏)‏ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ‏(‏77‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏78‏)‏ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ‏(‏79‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏80‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏81‏)‏ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ‏(‏82‏)‏‏}‏

‏{‏لاَ فِيهَا غَوْلٌ‏}‏ أي لا تغتال عقولهم كخمور الدنيا وهو من غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وأفسده ‏{‏وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ‏}‏ يسكرون من نزف الشارب إذا ذهب عقله ويقال للسكران نزيف ومنزوف، ‏{‏يُنزِفُونَ‏}‏ علي وحمزة أي لا يسكرون أو لا ينزِف شرابهم من أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه ‏{‏وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف‏}‏ قصرن أبصارهن على أزواجهن لا يمددن طرفاً إلى غيرهم ‏{‏عِينٌ‏}‏ جمع عيناء أي نجلاء واسعة العين ‏{‏كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ‏}‏ مصون شبههن ببيض النعام المكنون في الصفاء وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور‏.‏ وعطف ‏{‏فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ‏}‏ يعني أهل الجنة‏.‏ ‏{‏على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ‏}‏ عطف على ‏{‏يُطَافُ عَلَيْهِمْ‏}‏ والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب كعادة الشّرب قال‏:‏

وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام

فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا إلا أنه جيء به ماضياً على ما عرف في أخباره‏.‏ ‏{‏قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ يَقُولُ أَءِنَّكَ‏}‏ بهمزتين‏:‏ شامي وكوفي ‏{‏لَمِنَ المصدقين‏}‏ بيوم الدين ‏{‏أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءِنَّا لَمَدِينُونَ‏}‏ لمجزيون من الدين وهو الجزاء ‏{‏قَالَ‏}‏ ذلك القائل ‏{‏هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ‏}‏ إلى النار لأريكم ذلك القرين قيل‏:‏ إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار‏.‏ أو قال الله تعالى لأهل الجنة‏:‏ هل أنتم مطلعون إلى النار فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار ‏{‏فَأَطَّلَعَ‏}‏ المسلم ‏{‏فَرَءَاهُ‏}‏ أي قرينة ‏{‏فِى سَوَآءِ الجحيم‏}‏ في وسطها ‏{‏قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ‏}‏ «إن» مخففة من الثقيلة وهي تدخل على «كاد» كما تدخل على «كان»، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية والإرداء الإهلاك‏.‏ وبالياء في الحالين‏:‏ يعقوب ‏{‏وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى‏}‏ وهي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام ‏{‏لَكُنتُ مِنَ المحضرين‏}‏ من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك ‏{‏أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏}‏ الفاء للعطف على محذوف تقديره أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين، والمعنى أن هذه حال المؤمنين وهو أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى بخلاف الكفار فإنهم فيما يتمنون فيه الموت كل ساعة‏.‏ وقيل لحكيم‏:‏ ما شر من الموت‏؟‏ قال‏:‏ الذي يتمنى فيه الموت‏.‏ وهذا قول يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله يسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وزيادة تعذيب‏.‏ و‏{‏موتتنا‏}‏ نصب على المصدر والاستثناء متصل تقديره ولا نموت إلا مرة، أو منقطع وتقديره لكن الموتة الأولى قد كانت في الدنيا‏.‏ ثم قال لقرينه تقريعاً له ‏{‏إِنَّ هذا‏}‏ أي الأمر الذي نحن فيه ‏{‏لَهُوَ الفوز العظيم‏}‏‏.‏

ثم قال الله عز وجل ‏{‏لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون‏}‏ وقيل‏:‏ هو أيضاً من كلامه‏.‏

‏{‏أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً‏}‏ تمييز ‏{‏أَمْ شَجَرَةُ الزقوم‏}‏ أي نعيم الجنة وما فيها من اللذات والطعام والشراب خير نزلاً أم شجرة الزقوم خير نزلاً‏؟‏ والنزل ما يقام للنازل بالمكان من الرزق، والزقوم‏:‏ شجرة مر يكون بتهامة ‏{‏إِنَّا جعلناها فِتْنَةً للظالمين‏}‏ محنة وعذاباً لهم في الآخرة أو ابتلاء لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا‏:‏ كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر فكذبوا ‏{‏إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الجحيم‏}‏ قيل منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها ‏{‏طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوُسُ الشياطين‏}‏ الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه برءوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض‏.‏ وقيل‏:‏ الشيطان حية عرفاء قبيحة المنظر هائلة جداً‏.‏

‏{‏فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا‏}‏ من الشجرة أي من طلعها ‏{‏فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون‏}‏ فمالئون بطونهم لما يغلبهم من الجوع الشديد ‏{‏ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا‏}‏ على أكلها ‏{‏لَشَوْباً‏}‏ لخلطاً ولمزاجاً ‏{‏مِّنْ حَمِيمٍ‏}‏ ماء حار يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم كما قال في صفة شراب أهل الجنة ‏{‏وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 27‏]‏ والمعنى ثم إنهم يملئون البطون من شجرة الزقوم وهو حار يحرق بطونهم ويعطشهم فلا يسقون إلا بعد مليء تعذيباً لهم بذلك العطش ثم يسقون ما هو أحر وهو الشراب المشوب بالحميم‏.‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم‏}‏ أي أنهم يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن يمتلئوا ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك ظاهر ‏{‏إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ فَهُمْ على ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ‏}‏ علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد الآباء في الدين واتباعهم إياهم في الضلال وترك اتباع الدليل‏.‏ والإهراع‏:‏ الإسراع الشديد كأنهم يحثون حثاً ‏{‏وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ‏}‏ قبل قومك قريش ‏{‏أَكْثَرُ الأولين‏}‏ يعني الأمم الخالية بالتقليد وترك النظر والتأمل ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ‏}‏ أنبياء حذروهم العواقب ‏{‏فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين‏}‏ أي الذين أنذروا وحذروا أي أهلكوا جميعاً ‏{‏إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين‏}‏ أي إلا الذين آمنوا منهم وأخلصوا لله دينهم أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين‏.‏

ولما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين أتبع ذلك ذكر نوح ودعاءه إياه حين أيس من قومه بقوله ‏{‏وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ‏}‏ دعانا لننجيه من الغرق‏.‏ وقيل‏:‏ أريد به قوله ‏{‏أَنّى مَغْلُوبٌ فانتصر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 10‏]‏ ‏{‏فَلَنِعْمَ المجيبون‏}‏ اللام الداخلة على «نعم» جواب قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ولقد نادانا نوح فوالله لنعم المجيبون نحن، والجمع دليل العظمة والكبرياء‏.‏

والمعنى إنا أجبناه أحسن الإجابة ونصرناه على أعدائه وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون ‏{‏ونجيناه وَأَهْلَهُ‏}‏ ومن آمن به وأولاده ‏{‏مِنَ الكرب العظيم‏}‏ وهو الغرق ‏{‏وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقين‏}‏ وقد فنى غيرهم‏.‏ قال قتادة‏:‏ الناس كلهم من ذرية نوح وكان لنوح عليه السلام ثلاثة أولاد‏:‏ سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج‏.‏ ‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين‏}‏ من الأمم هذه الكلمة وهي ‏{‏سلام على نُوحٍ‏}‏ يعني يسلمون عليه تسليماً ويدعون له وهو من الكلام المحكي كقولك «قرأت سورة أنزلناها» ‏{‏فِى العالمين‏}‏ أي ثبت هذه التحية فيهم جميعاً ولا يخلو أحد منهم منها كأنه قيل‏:‏ ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين‏}‏ علل مجازاته بتلك التكرمة السنية بأنه كان محسناً ‏{‏إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين‏}‏ ثم علل كونه محسناً بأنه كان عبداً مؤمناً ليريك جلالة محل الإيمان وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم ‏{‏ثُمَّ أَغْرَقْنَا الأخرين‏}‏ أي الكافرين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 102‏]‏

‏{‏وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ‏(‏83‏)‏ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ‏(‏84‏)‏ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ‏(‏85‏)‏ أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ‏(‏86‏)‏ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏87‏)‏ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ‏(‏88‏)‏ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ‏(‏89‏)‏ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ‏(‏90‏)‏ فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ‏(‏91‏)‏ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ‏(‏92‏)‏ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ‏(‏93‏)‏ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ‏(‏94‏)‏ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ‏(‏95‏)‏ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏96‏)‏ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ‏(‏97‏)‏ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ‏(‏98‏)‏ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ‏(‏99‏)‏ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏100‏)‏ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ‏(‏101‏)‏ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّ من شِيَعتِهِ لإبْراهِيمَ‏}‏ أي من شيعة نوح أي ممن شايعه على أصول الدين أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة وما كان بينهما إلا نبيان هود وصالح‏.‏

‏{‏إِذْ جَآءَ رَبَّهُ‏}‏ «إذ» تعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه ‏{‏بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏}‏ من الشرك أو من آفات القلوب لإبراهيم، أو بمحذوف وهو «اذكر»‏.‏ ومعنى المجيء بقلبه ربه أنه أخلص لله قلبه وعلم الله ذلك منه فضرب المجيء مثلاً لذلك ‏{‏إِذْ‏}‏ بدل من الأولى ‏{‏قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكاً ءالِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ‏}‏ ‏{‏أئفكاً‏}‏ مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دون الله إفكاً‏؟‏ وإنما قدم المفعول به على الفعل للعناية، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏إِفْكاً‏}‏ مفعولاً به أي أتريدون إفكاً‏؟‏ ثم فسر الإفك بقوله ‏{‏آلِهَةً دُونَ الله‏}‏ على أنها إفك في نفسها، أو حالاً أي أتريدون آلهة من دون الله آفكين‏؟‏ ‏{‏فَمَا ظَنُّكُم‏}‏ أيّ شيء ظنكم ‏{‏بِرَبِّ العالمين‏}‏ وأنتم تعبدون غيره‏؟‏ و«ما» رفع بالابتداء والخبر ‏{‏ظنكم‏}‏ أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره وعلمتم أنه المنعم على الحقيقة فكان حقيقاً بالعبادة‏؟‏ ‏{‏فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النجوم‏}‏ أي نظر في النجوم رامياً ببصره إلى السماء متفكراً في نفسه كيف يحتال، أو أراهم أنه ينظر في النجوم لاعتقادهم علم النجوم فأوهمهم أنه استدل بأمارة على أنه يسقم ‏{‏فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ‏}‏ أي مشارف للسقم وهو الطاعون وكان أغلب الإسقام عليهم وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل‏.‏ وقالوا‏:‏ علم النجوم كان حقاً ثم نسخ الاشتغال بمعرفته‏.‏ والكذب حرام إلا إذا عرّض، والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض من الكلام أي سأسقم، أو من الموت في عنقه سقيم ومنه المثل «كفى بالسلامة داء»‏.‏ ومات رجل فجأة فقالوا‏:‏ مات وهو صحيح‏.‏ فقال أعرابي‏:‏ أصحيح مَن الموت في عنقه، أو أراد إني سقيم النفس لكفركم كما يقال أنا مريض القلب من كذا ‏{‏فَتَوَلَّوْاْ‏}‏ فأعرضوا ‏{‏عَنْهُ مُدْبِرِينَ‏}‏ أي مولين الأدبار‏.‏

‏{‏فَرَاغَ إلى ءَالِهَتِهِمْ‏}‏ فمال إليهم سراً ‏{‏فَقَالَ‏}‏ استهزاء ‏{‏أَلآ تَأْكُلُونَ‏}‏ وكان عندها طعام ‏{‏مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ‏}‏ والجمع بالواو والنون لما أنه خاطبها خطاب من يعقل ‏{‏فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً‏}‏ فأقبل عليهم مستخفياً كأنه قال فضربهم ضرباً لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم أو فراغ عليهم يضربهم ضرباً أي ضارباً ‏{‏باليمين‏}‏ أي ضرباً شديداً بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما أو بالقوة والمتانة، أو بسبب الحلف الذي سبق منه وهو قوله

‏{‏تالله لأَكِيدَنَّ أصنامكم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 57‏]‏ ‏{‏فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ‏}‏ إلى إبراهيم ‏{‏يَزِفُّونَ‏}‏ يسرعون من الزفيف وهو الإسراع‏.‏ ‏{‏يُزِفون‏}‏ حمزة من أزفّ إذا دخل في الزفيف إزفافاً فكأنه قد رآه بعضهم يكسرها وبعضهم لم يره فأقبل من رآه مسرعاً نحوه ثم جاء من لم يره يكسرها فكأنه قد رآه ‏{‏مَن فَعَلَ هذا بِئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين‏}‏، فأجابوه على سبيل التعريض بقولهم ‏{‏سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبراهيم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 60‏]‏ ثم قالوا بأجمعهم نحن نعبدها وأنت تكسرها فأجابهم بقوله ‏{‏قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ‏}‏ بأيديكم ‏{‏والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ وخلق ما تعملونه من الأصنام أو «ما» مصدرية أي وخلق أعمالكم وهو دليلنا في خلق الأفعال أي الله خالقكم وخالق أعمالكم فلم تعبدون غيره‏؟‏ ‏{‏قَالُواْ ابنوا لَهُ‏}‏ أي لأجله ‏{‏بنيانا‏}‏ من الحجر طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً ‏{‏فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم‏}‏ في النار الشديدة‏.‏ وقيل‏:‏ كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ‏{‏فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً‏}‏ بإلقائه في النار ‏{‏فجعلناهم الأسفلين‏}‏ المقهورين عند الإلقاء فخرج من النار ‏{‏وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إلى رَبِّى‏}‏ إلى موضع أمرني بالذهاب إليه ‏{‏سَيَهْدِينِ‏}‏ سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ويوفقني‏.‏ ‏{‏سيهديني‏}‏ فيهما‏:‏ يعقوب‏.‏

‏{‏رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين‏}‏ بعض الصالحين يريد الولد لأن لفظ الهبة غلب في الولد ‏{‏فبشرناه بغلام حَلِيمٍ‏}‏ انطوت البشارة على ثلاث‏:‏ على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم لأن الصبي لا يوصف بالحلم، وأنه يكون حليماً وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال‏:‏ ‏{‏سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين‏}‏ ثم استسلم لذلك‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى‏}‏ بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه‏.‏ و‏{‏مَعَهُ‏}‏ لا يتعلق ب ‏{‏بَلَغَ‏}‏ لاقتضائه بلوغهما معاً حد السعي، ولا ب ‏{‏السعى‏}‏ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، فبقي أن يكون بياناً كأنه لما قال‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا بَلَغَ السعى‏}‏ أي الحد الذي يقدر فيه على السعي قيل‏:‏ مع من‏؟‏ قال‏:‏ مع أبيه وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة ‏{‏قَالَ يابنى‏}‏ حفص والباقون بكسر الياء ‏{‏إِنّى أرى فِى المنام أَنِّى أَذْبَحُكَ‏}‏ وبفتح الياء فيهما‏:‏ حجازي وأبو عمرو‏.‏ قيل له في المنام‏:‏ اذبح ابنك ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة‏.‏ وإنما لم يقل رأيت لأنه رأى مرة بعد مرة فقد قيل‏:‏ رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له‏:‏ إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا‏.‏

فلما أصبح روّى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثَمَّ سمي يوم الترويه‏.‏ فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فمن ثَمَّ سُمي يوم عرفة‏.‏ ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر ‏{‏فانظر مَاذَا ترى‏}‏ من الرأي على وجه المشاورة لا من رؤية العين، ولم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته ولكن ليعلم أيجزع أم يصبر‏.‏ ‏{‏تُرِى‏}‏ علي وحمزة أي ماذا تصبر من رأيك وتبديه ‏{‏قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ‏}‏ أي ما تؤمر به وقرئ به ‏{‏سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين‏}‏ على الذبح‏.‏ رُوي أن الذبيح قال لأبيه‏:‏ يا أبت خذ بناصيتي واجلس بين كتفي حتى لا أوذيك إذا أصابتني الشفرة، ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي عسى أن ترحمني، واجعل وجهي إلى الأرض‏.‏ ويُروى اذبحني وأنا ساجد واقرأ على أمي السلام، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 138‏]‏

‏{‏فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ‏(‏103‏)‏ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ‏(‏104‏)‏ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏105‏)‏ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ‏(‏106‏)‏ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ‏(‏107‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏108‏)‏ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ‏(‏109‏)‏ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏110‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏111‏)‏ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏112‏)‏ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ‏(‏113‏)‏ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏114‏)‏ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏115‏)‏ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ‏(‏116‏)‏ وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ‏(‏117‏)‏ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏118‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏119‏)‏ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏120‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏121‏)‏ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏122‏)‏ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏123‏)‏ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏124‏)‏ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ‏(‏125‏)‏ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏126‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ‏(‏127‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏128‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏129‏)‏ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ‏(‏130‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏131‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏132‏)‏ وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏133‏)‏ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ‏(‏134‏)‏ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ‏(‏135‏)‏ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ ‏(‏136‏)‏ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ‏(‏137‏)‏ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏138‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا أَسْلَمَا‏}‏ انقادا لأمر الله وخضعا‏.‏ وعن قتادة‏:‏ أسلم هذا ابنه وهذا نفسه ‏{‏وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ‏}‏ صرعه على جبينه ووضع السكين على حلقه فلم يعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا‏.‏ رُوي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى‏.‏ وجواب «لما» محذوف تقديره فلما أسلما وتله للجبين ‏{‏وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا‏}‏ أي حققت ما أمرناك به في المنام من تسليم الولد للذبح كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، أو الجواب قبلنا منه و‏{‏ناديناه‏}‏ معطوف عليه ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين‏}‏ تعليل لتخويل ما خولهما من الفرج بعد الشدة ‏{‏إِنَّ هذا لَهُوَ البلاؤا المبين‏}‏ الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة‏.‏

‏{‏وفديناه بِذِبْحٍ‏}‏ هو ما يذبح‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة حتى فدي به إسماعيل‏.‏ وعنه‏:‏ لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة وذبح الناس أبناءهم ‏{‏عظِيمٍ‏}‏ ضخم الجثة سمين وهي السنة في الأضاحي‏.‏ ورُوي أنه هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي‏.‏ وروي أنه لما ذبحه قال جبريل‏:‏ الله أكبر الله أكبر‏.‏ فقال الذبيح‏:‏ لا إله إلا الله والله أكبر‏.‏ فقال إبراهيم‏:‏ الله أكبر ولله الحمد، فبقي سنة وقد استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة‏.‏ والأظهر أن الذبيح إسماعيل وهو قول أبي بكر وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين رضي الله عنهم لقوله عليه السلام ‏"‏ أنا ابن الذبيحين ‏"‏ فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله‏.‏ وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح آخر ولده تقرباً، وكان عبد الله آخراً ففداه بمائة من الإبل، ولأن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت في زمن الحجاج وابن الزبير‏.‏ وعن الأصمعي أنه قال‏:‏ سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال‏:‏ يا أصمعي أين عزب عنك عقلك ومتى كان اسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة‏.‏ وعن علي وابن مسعود والعباس وجماعة من التابعين رضي الله عنهم أنه إسحق ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف عليهما السلام‏:‏ من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله‏.‏ وإنما قيل ‏{‏وفديناه‏}‏ وإن كان الفادي إبراهيم عليه السلام والله تعالى هو المفتدى منه لأنه الآمر بالذبح، لأنه تعالى وهب له الكبش ليفتدي به‏.‏

وههنا إشكال وهو أنه لا يخلو إما أن يكون ما أتى به إبراهيم عليه السلام من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه في حكم الذبح أم لا، فإن كان في حكم الذبح فما معنى الفداء والفداء هو التخليص من الذبح ببدل‏؟‏ وإن لم يكن فما معنى قوله ‏{‏قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا‏}‏ وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح أصلاً أو بدلاً ولم يصح‏؟‏ والجواب أنه عليه السلام قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح، ولكن الله تعالى جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم، ووهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة في نفس إسماعيل بدلاً منه وليس هذا بنسخ منه للحكم كما قال البعض، بل ذلك الحكم كان ثابتاً إلا أن المحل الذي أضيف إليه لم يحله الحكم على طريق الفداء دون النسخ، وكان ذلك ابتلاء ليستقر حكم الأمر عند المخاطب في آخر الحال، على أن المبتغي منه في حق الولد أن يصير قرباناً بنسبة الحكم إليه مكرماً بالفداء الحاصل لمعرة الذبح مبتلى بالصبر والمجاهدة إلى حال المكاشفة، وإنما النسخ بعد استقرار المراد بالأمر لا قبله وقد سمي فداء في الكتاب لا نسخاً‏.‏ ‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين‏}‏ ولا وقف عليه لأن ‏{‏سلام على إبراهيم‏}‏ مفعول ‏{‏وَتَرَكْنَا‏}‏‏.‏

‏{‏كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين‏}‏ ولم يقل «إنا كذلك» هنا كما في غيره لأنه قد سبق في هذه القصة فاستخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية ‏{‏إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً‏}‏ حال مقدرة من ‏{‏إسحاق‏}‏ ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي وبشرناه بوجود إسحق نبياً أي بأن يوجد مقدرة نبوّته فالعامل في الحال الوجود لا البشارة ‏{‏مِّنَ الصالحين‏}‏ حال ثانية وورودها على سبيل الثناء لأن كل نبي لا بد وأن يكون من الصالحين ‏{‏وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق‏}‏ أي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحق بأن أخرجنا من صلبه ألف نبي، أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليهم السلام ‏{‏وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ‏}‏ مؤمن ‏{‏وظالم لِّنَفْسِهِ‏}‏ كافر ‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ ظاهر أو محسن إلى الناس وظالم على نفسه بتعديه عن حدود الشرع، وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر، فقد يلد البر الفاجر والفاجر البر وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاقب على ما اجترحت يداه لا على ما وجد من أصله وفرعه‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ مَنَنَّا‏}‏ أنعمنا ‏{‏على موسى وهارون‏}‏ بالنبوة ‏{‏ونجيناهما وَقَوْمَهُمَا‏}‏ بني إسرائيل ‏{‏مِنَ الكرب العظيم‏}‏ من الغرق أو من سلطان فرعون وقومه وغشمهم ‏{‏ونصرناهم‏}‏ أي موسى وهرون وقومهما ‏{‏فَكَانُواْ هُمُ الغالبين‏}‏ على فرعون وقومه ‏{‏وءاتيناهما الكتاب المستبين‏}‏ البليغ في بيانه وهو التوراة ‏{‏وهديناهما الصراط المستقيم‏}‏ صراط أهل الإسلام وهي صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين‏.‏

‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الآخرين سلام على موسى وهارون إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين‏}‏ هو إلياس بن ياسين من ولد هرون أخي موسى‏.‏ وقيل‏:‏ هو إدريس النبي عليه السلام‏.‏ وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه ‏{‏وَإِنْ إِدْرِيسَ‏}‏ في موضع «إلياس»‏.‏

‏{‏إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ‏}‏ ألا تخافون الله ‏{‏أَتَدْعُونَ‏}‏ أتعبدون ‏{‏بَعْلاً‏}‏ هو علم لصنم كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء، وكان موضعه يقال له بك فركب وصار بعلبك وهو من بلاد الشأم‏.‏ وقيل‏:‏ في إلياس والخضر إنهما حيان، وقيل إلياس وكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، والحسن يقول‏:‏ قد هلك إلياس والخضر ولا تقول كما يقول الناس إنهما حيان ‏{‏وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين‏}‏ وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن المقدرين ‏{‏الله رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَآبَائِكُمُ الأولين‏}‏ بنصب الكل‏:‏ عراقي غير أبي بكر وأبي عمرو على البدل من ‏{‏أحسن‏}‏، وغيرهم بالرفع على الابتداء‏.‏ ‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ‏}‏ في النار ‏{‏إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين‏}‏ من قومه ‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الآخرين سلام على إِلْ يَاسِينَ‏}‏ أي إلياس وقومه المؤمنين كقولهم الخبيبون يعني أبا خبيب عبد الله بن الزبير وقومه‏.‏ ‏{‏آلْ يَاسِينَ‏}‏ شامي ونافع لأن ياسين اسم أبي إلياس فأضيف إليه الآل ‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المرسلين إِذْ نجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغابرين‏}‏ في الباقين ‏{‏ثُمَّ دَمَّرْنَا‏}‏ أهلكنا ‏{‏الآخرين وَإِنَّكُمْ‏}‏ يا أهل مكة ‏{‏لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ‏}‏ داخلين في الصباح ‏{‏وباليل‏}‏ والوقف عليه مطلق ‏{‏أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏ يعني تمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشأم ليلاً ونهاراً فما فيكم عقول تعتبرون بها‏.‏ وإنما لم يختم قصة لوط ويونس بالسلام كما ختم قصة من قبلهما، لأن الله تعالى قد سلم على جميع المرسلين في آخر السورة فاكتفي بذلك عن ذكر كل واحد منفرداً بالسلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏139- 182‏]‏

‏{‏وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏139‏)‏ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ‏(‏140‏)‏ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ‏(‏141‏)‏ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ‏(‏142‏)‏ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ‏(‏143‏)‏ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏144‏)‏ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ‏(‏145‏)‏ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ‏(‏146‏)‏ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ‏(‏147‏)‏ فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ‏(‏148‏)‏ فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ‏(‏149‏)‏ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ‏(‏150‏)‏ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ‏(‏151‏)‏ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏152‏)‏ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ‏(‏153‏)‏ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ‏(‏154‏)‏ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏155‏)‏ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ‏(‏156‏)‏ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏157‏)‏ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ‏(‏158‏)‏ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏159‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏160‏)‏ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ‏(‏161‏)‏ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ‏(‏162‏)‏ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ‏(‏163‏)‏ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ‏(‏164‏)‏ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ‏(‏165‏)‏ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ‏(‏166‏)‏ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ‏(‏167‏)‏ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ ‏(‏168‏)‏ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏169‏)‏ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏170‏)‏ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ‏(‏171‏)‏ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ‏(‏172‏)‏ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ‏(‏173‏)‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ‏(‏174‏)‏ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ‏(‏175‏)‏ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏176‏)‏ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏177‏)‏ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ‏(‏178‏)‏ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ‏(‏179‏)‏ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏180‏)‏ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ‏(‏181‏)‏ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏182‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين إِذْ أَبَقَ‏}‏ الإباق‏:‏ الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمى هربه من قومه بغير إذن ربه إباقاً مجازاً ‏{‏إِلَى الفلك المشحون‏}‏ المملوء‏.‏ وكان يونس عليه السلام وعد قومه العذاب، فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمستور منهم فقصد البحر وركب السفينة فوقفت فقالوا‏:‏ ههنا عبد آبق من سيده‏.‏ وفيما يزعم البحارون أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فقال‏:‏ أنا الآبق، وزج بنفسه في الماء فذلك قوله ‏{‏فساهم‏}‏ فقارعهم مرة أو ثلاثاً بالسهام‏.‏ والمساهمة‏:‏ إلقاء السهام على جهة القرعة ‏{‏فَكَانَ مِنَ المدحضين‏}‏ المغلوبين بالقرعة ‏{‏فالتقمه الحوت‏}‏ فابتلعه ‏{‏وَهُوَ مُلِيمٌ‏}‏ داخل في الملامة‏.‏

‏{‏فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين‏}‏ من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح‏.‏ أو من القائلين ‏{‏لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين‏}‏ أو من المصلين قبل ذلك‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كل تسبيح في القرآن فهو صلاة‏.‏ ويقال‏:‏ إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر ‏{‏لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ الظاهر لبثه حياً إلى يوم البعث‏.‏ وعن قتادة‏:‏ لكان بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة‏.‏ وقد لبث في بطنه ثلاثة أيام أو سبعة أو أربعين يوماً‏.‏ وعن الشعبي‏:‏ التقمه ضحوة ولفظه عشية ‏{‏فنبذناه بالعراء‏}‏ فألقيناه بالمكان الخالي الذي لا شجر فيه ولا نبات ‏{‏وَهُوَ سَقِيمٌ‏}‏ عليل مما ناله من التقام الحوت‏.‏ ورُوي أنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد ‏{‏وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً‏}‏ أي أنبتناها فوقه مظلة له كما يطنّب البيت على الإنسان ‏{‏مِّن يَقْطِينٍ‏}‏ الجمهور على أنه القرع، وفائدته أن الذباب لا يجتمع عنده وأنه أسرع الأشجار نباتاً وامتداداً وارتفاعاً‏.‏ وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتحب القرع قال‏:‏ ‏"‏ أجل هي شجرة أخي يونس ‏"‏ ‏{‏وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ‏}‏ المراد به القوم الذين بعث إليهم قبل الالتقام فتكون «قد» مضمرة ‏{‏أَوْ يَزِيدُونَ‏}‏ في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال‏:‏ هي مائة ألف أو أكثر‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ قال غير واحد‏:‏ معناه بل يزيدون‏.‏ قال ذلك الفراء وأبو عبيدة ونقل عن ابن عباس كذلك ‏{‏فَئَامَنُواْ‏}‏ به وبما أرسل به ‏{‏فمتعناهم إلى حِينٍ‏}‏ إلى منتهى آجالهم‏.‏

‏{‏فاستفتهم أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون‏}‏ معطوف على مثله في أول السورة أي على ‏{‏فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً‏}‏ وإن تباعدت بينهما المسافة‏.‏ أمر رسول الله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولاً، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها حيث جعلوا لله تعالى الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن ووأدهم واستنكافهم من ذكرهن ‏{‏أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إناثا وَهُمْ شاهدون‏}‏ حاضرون تخصيص علمهم بالمشاهدة استهزاء بهم وتجهيل لهم لأنهم كما لم يعلموا ذلك مشاهدة لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم ولا بإخبار صادق ولا بطريق استدلال ونظر، أو معناه أنهم يقولون ذلك عن طمأنينة نفس لإفراط جهلهم كأنهم شاهدوا خلقهم ‏{‏أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لكاذبون‏}‏ في قولهم‏.‏

‏{‏أَصْطَفَى البنات على البنين‏}‏ بفتح الهمزة للاستفهام، وهو استفهام توبيخ‏.‏ وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام ‏{‏مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏}‏ هذا الحكم الفاسد‏.‏

‏{‏أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ بالتخفيف‏:‏ حمزة وعلي وحفص ‏{‏أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ‏}‏ حجة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله ‏{‏فَأْتُواْ بكتابكم‏}‏ الذي أنزل عليكم ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ في دعواكم ‏{‏وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ‏}‏ بين الله ‏{‏وَبَيْنَ الجنة‏}‏ الملائكة لاستتارهم ‏{‏نَسَباً‏}‏ وهو زعمهم أنهم بناته أو قالوا إن الله تزوج من الجن فولدت له الملائكة ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ‏}‏ ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار ‏{‏سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ نزه نفسه عن الولد والصاحبة ‏{‏إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين‏}‏ استثناء منقطع من المحضرين معناه ولكن المخلصين ناجون من النار و‏{‏سبحان الله‏}‏ اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو ‏{‏يَصِفُونَ‏}‏ أي يصفه هؤلاء بذلك ولكن المخلصون براء من أن يصفوه به ‏{‏فَإِنَّكُمْ‏}‏ يا أهل مكة ‏{‏وَمَا تَعْبُدُونَ‏}‏ ومعبوديكم ‏{‏مَآ أَنتُمْ‏}‏ وهم جميعاً ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏ على الله ‏{‏بفاتنين‏}‏ بمضلين ‏{‏إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم‏}‏ بكسر اللام أي لستم تضلون أحداً إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها‏.‏ يقال‏:‏ فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ فإنكم أيها القائلون بهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام، ما أنتم على عبادة الأوثان بمضلين أحداً إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم أي يدخل النار‏.‏ وقيل‏:‏ ما أنتم بمضلين إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة‏.‏ و«ما» في ‏{‏مَا أَنتُمْ‏}‏ نافية و«من» في موضع النصب ب ‏{‏فاتنين‏}‏ وقرأ الحسن ‏{‏هُوَ صالُ الجحيم‏}‏ بضم اللام، ووجهه أن يكون جمعاً فحذفت النون للإضافة وحذفت الواو لالتفاء الساكنين هي واللام في الجحيم ومن موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه‏.‏

‏{‏وَمَا مِنَّا‏}‏ أحد ‏{‏إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ‏}‏ في العبادة لا يتجاوزه فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ‏{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون‏}‏ نصف أقدامنا في الصلاة أو نصف حول العرش داعين للمؤمنين ‏{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون‏}‏ المنزهون أو المصلون‏.‏

والوجه أن يكون هذا وما قبله من قوله ‏{‏سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة‏}‏ كأنه قيل‏:‏ ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباد الله المخلصين وبرؤوهم منه وقالوا للكفرة‏:‏ فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه وتضلوه إلا من كان من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام معلوم من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفراً خشوعاً لعظمته، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته مسبحين ممجدين كما يجب على العباد لربهم‏؟‏ وقيل‏:‏ هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 79‏]‏ ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه‏.‏

‏{‏وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ‏}‏ أي مشركو قريش قبل مبعثه عليه السلام ‏{‏لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الأولين‏}‏ أي كتاباً من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل ‏{‏لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين‏}‏ لأخلصنا العبادة لله ولما كذبنا كما كذبوا ولما خالفنا كما خالفوا، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب ‏{‏فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏ مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام‏.‏ و«إن» مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادين فيه فكم بين أول أمرهم وآخره ‏{‏وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين‏}‏ الكلمة قوله ‏{‏إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون‏}‏ وإنما سماها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة‏.‏ وعن الحسن‏:‏ ما غلب نبي في حرب‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في العقبى‏.‏ والحاصل أن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة والعبرة للغالب‏.‏

‏{‏فَتَوَلَّ عَنْهُمْ‏}‏ فأعرض عنهم ‏{‏حتى حِينٍ‏}‏ إلى مدة يسيرة وهي المدة التي أمهلوا فيها أو إلى يوم بدر أو إلى فتح مكة ‏{‏وَأَبصِرْهُمْ‏}‏ أي أبصر ما ينالهم يومئذ ‏{‏فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ‏}‏ ذلك وهو للوعيد لا للتبعيد، أو انظر إليهم إذا عذبوا فسوف يبصرون ما أنكروا، أو أعلمهم فسوف يعلمون‏.‏

‏{‏أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ قبل حينه ‏{‏فَإِذَا نَزَلَ‏}‏ العذاب ‏{‏بِسَاحَتِهِمْ‏}‏ بفنائهم ‏{‏فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين‏}‏ صباحهم‏.‏ واللام في ‏{‏المنذرين‏}‏ مبهم في جنس من أنذروا، لأن «ساء» و«بئس» يقتضيان ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ هو نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة‏.‏ مثّل العذاب النازل بهم بعدما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض نصّاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن عليهم الغارة، وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر ‏{‏وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ‏}‏ وإنما ثنى ليكون تسلية على تسلية وتأكيداً لوقوع الميعاد إلى تأكيد، وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معاً عن التقييد بالمفعول وأنه يبصروهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة‏.‏ وقيل‏:‏ أريد بأحدهما عذاب الدنيا وبالآخرة عذاب الآخرة‏.‏

‏{‏سبحان رَبِّكَ رَبِّ العزة‏}‏ أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق، ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله، ‏{‏تعز مَن تَشَاء‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 26‏]‏ ‏{‏عَمَّا يَصِفُونَ‏}‏ من الولد والصاحبة والشريك ‏{‏وسلام على المرسلين‏}‏ عم الرسل بالسلام بعدما خص البعض في السورة لأن في تخصيص كل بالذكر تطويلاً ‏{‏والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين‏}‏ على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء‏.‏ اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوه إليه مما هو منزه عنه وما عاناه المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم، فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون والتسليم على المرسلين، والحمد لله رب العالمين على ما قيض لهم من حسن العواقب‏.‏ والمراد تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلّوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتاب الكريم ومودعات قرآنه المجيد‏.‏ وعن علي رضي الله عنه‏:‏ من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه ‏{‏سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ وسلام على المرسلين والحمد للَّهِ رَبّ العالمين‏}‏‏.‏